قصة معتقل: ماذا حدث خلف السفارة الايرانية بدمشق؟

2c5683344cd0aa708b98a4652c42ddc3اورينت نت-رهام- “خرجت من المعتقل وبقلبي حسرة، فقد أتممت فيه الأربعة أشهر، وصار من حقي الحصول على البلاطة رقم خمسة التي تتيح لي أن أتمدد بكامل جسدي” هذا ما قاله سامي عبد الكريم بعد خروجه من المعتقل، وذلك بعد التشاجر مع المسؤولين هناك، فقد كان يرفض الخروج لأن ذلك سيحرمه من حق التمتع بالبلاطة الأخيرة، ليعكس بذلك مدى الأثر الذي خلفه الحبس في ذاكرته التي لم يسترجعها سوى بعد شهرين من خروجه.

ونظام منح البلاطات يبدأ عادة، بعد وضع المعتقلين الجدد وسط غرفة ليبقوا واقفين طيلة عشرين يوما، وبعدها ييبدؤون بالحصول على بلاطة مساحتها ( 24 سم مربع)، فتصبح من حق كل معتقل وتعرف باسمه، ويستطيع النوم عليها بل وأن يمنحها مؤقتاً لمعتقل آخر، وبعد فترة معينة يتم منح المعتقل بلاطة أخرى إلى أن يحصل في النهاية على خمس بلاطات.

 تحالف المعتقلين
سامي ورفاقه شكلو ما أسماه تحالفاً مع عدد من المعتقلين الآخرين، بحيث يتم جمع البلاطات الممنوحة مع بعضها من أجل الحصول على متر مربع، يتناوبون بالنوم عليه، وهذا ما كان سبباً لسعادته بعد أن بقي 15 يوماً واقفاً دون جلوس في بداية اعتقاله، حيث انتفخت قدماه، وبدأ القيح والدم بالخروج منهما، إلى أن تم منحه “بلاطة”، وبات القانون الذي اخترعه كما يقول، عرفاً يتوارثه المعتقلون.

سامي عبد الكريم، 24 عاماً، من أوائل الطلاب في كلية العلوم السياسية بجامعة التل بدمشق ممن شاركوا في الثورة منذ انطلاقها.

يعود سامي بذاكرته إلى أوائل عام 2011 عندما كان طالباً في السنة الأولى، حين تجرأ أن يطرح سؤالاً على الدكتور (صابر بلول) الذي كان يحاضر بالطلاب عن وجود المندسين والمخربين الذين يحاولون تخريب البلد، وإنجازات الدولة السورية في حفظ الأمن، فسأل مدرسه “لماذا لم نحرر الجولان إن كنا بهذه القوة؟”،
فساد الصمت في القاعة وبدا التوتر على وجه الدكتور الذي قال “استرح يا ابني سأجيبك”.

إجابة المدرّس جاء بالحديث عن سورية قبل الحركة التصحيحية، وإنجازات من سماه بـ “القائد الخالد” حافظ الأسد، وسياسات بعض الدول العربية كتخلي صدام حسين عن الأحواز وتخلي الجزائر عن جزر سبتة ومليلة، فجاء صوت أحد الطلاب دون طلب إذن “ونحنا شو علاقتنا ليش الجولان ما تحرر!”، فأنهى الدكتور النقاش بنظرة غضب تجاه سامي الذي كان سبباً بالحديث في الممنوع.

كانت تلك نقطة الانطلاق ليؤسس سامي ورفاقه “تنسيقية كلية العلوم السياسية”، خاصة بعد اقتحام قوات الأمن لكليتهم بتاريخ 14/6/2011 أثناء الامتحانات، واعتقال العديد من الطلاب، فتم نشر أسماء المعتقلين من طلاب الكلية ومن باقي الكليات وتحديد موعد المظاهرات والنشاطات السلمية.

 تشبيح رئيس اتحاد الطلبة
اعتقل سامي لمدة أربع ساعات مع ثلاثة من زملائه، تعرضوا فيها للشتائم والإهانة وهددوا بالفصل بسبب (طول ألسنتهم) بحسب تعبير عمار ساعاتي رئيس اتحاد الطلبة في سورية، لكن ذلك لم يمنعهم من المشاركة في التظاهرات بدمشق وبرزة والتل المشاركة بتوزيع المنشورات في المزة.

وفي يوم 5/ 6/2012 قام سامي بنشر بيان على صفحة التنسيقية دعا فيه لمقاطعة الامتحان بسبب وجود طلاب يحملون المسدسات وعصي الكهربا، وهم ينتمون الى ما يسمى “اللجان الشعبية” حيث يقومون بالاعتداء على الطلبة وتفتيش كل شخص لا يروق لهم، إلا أن زميلاُ لهم حينها أخبرهم بأن قوات الأمن ستصل بعد خمسة دقائق، وساعد في تهريبهم عبر الأحراش، لتقوم بعد ذلك قوات الأمن بتكسير غرفهم ومصادرة ممتلكاتهم الشخصية، مما اضطرهم إلى اللجوء لبيت أحد أصدقائهم في حي المزة خلف السفارة الايرانية، وكان عددهم يقارب الـ 15 شخصاً، فقرروا أن ينشطوا في أحياء المزة العشوائية كحي الفاروق والإخلاص والمصطفى، وبدؤوا بتوزيع المنشورات وتعرفوا على شبان المنطقة، ووصل عدد المتظاهرين الى 1500 بين نساء ورجال وأطفال.

اعتقل سامي ورفاقه بعد قيام أحد الأشخاص بالتبليغ عن مكان تواجدهم، في صباح يوم السبت 9/6/2012، حيث قامت وحدة من فرع الأمن العسكري بتطويق الشارع والمنزل، وكسروا بابه، وأطلقوا رصاصاً في الهواء، وانهالوا عليهم بالضرب بالهروات وعصي الكهرباء وبأخمص البنادق والمسدسات.

 الفرع 215
الطريق إلى الفرع 215 في كفرسوسة كان داخل سيارة صغيرة حشر فيها سامي ورفاقه حيث استمروا في ضربهم فيها مما أدى إلى إغماء ثلاثة منهم، وهم غارقين في دمائهم، وبوصولهم للفرع استقبلهم ضابط وأمر الحراس أن يغسلوا وجوههم بالماء كي لا تتسخ يده بـ “دمهم النجس” على حد تعبير الضابط، وبعد أخذه بياناتاهم وأماكن إقامتهم، أرسلهم لما يسمي بالمسلخ، وهو عبارة عن طابقين تحت الأرض، وكان في استقبالهم مساعد يدعى” شاليش” يحمل كبل كهرباء رباعي، فتلقى سامي لكمة تحت عينه، وأمرهم بخلع ملابسهم بالكامل، وبدأت عمليات الضرب، إلا أن كل ذلك ماكان ليؤثر بهم، أمام المشهد الصادم وهم يرون المعتقلين القدامى المرميين على الارض، ويستمعون لصراخ آخرين يتم تعذيبهم في مكان ما في الفرع.

رحلته داخل المعتقل لم تكن بغاية التحقيق بل كان القصد منها الإذلال وتحطيم المعنويات، فجاءت الجلسة الأولى بعد عشرة أيام من الاعتقال ولم يوجه له سؤال، بل تم إجلاسه في غرفة ليستمع إلى صراخ المعتقلين من رجال ونساء، وصوت الكبل الرباعي وهو ينهش أجسادهم.

 بعد أربعة أيام
وجاء التحقيق الثاني بعد أربعة أيام من ذلك حيث قاموا بشبحه، أي تعليقه من يديه بالحبال، لمدة ساعتين وضربه بالكبل الرباعي وصعقه بالكهرباء، الى أن فقد الوعي، فسكبو عليه “الكلونيا” ليستعيد الوعي وعاودوا الضرب والركل بالأقدام دون توجيه أي سؤال أو تهمة، ويقول عن تلك الواقعة “لقد كانوا يضربونني لأجل الضرب فقط لساعات متواصلة، حتى لا أكاد أقوى على الوقوف، ليرموني بعد ذلك فوق السجناء المكدسين فوق بعضهم البعض”.

بيضة واحدة لثلاثة أشخاص كانت فطورهم الصباحي مع رغيف خبز جاف عليه آثار العفن وزيتون وفي المساء بطاطا مسلوقة، وكان لتلك الوجبات دور في جعل المعقلين يميزون فترة الصباح من المساء، ويستذكر سامي العجوز ذي الـ 75 عاماً الذي لم يكن يقو على البكاء من جوعه ولشده ضعفه ونحوله، حتى أن الدود بدأ يخرج من رأسه ومن كافة أجزاء جسده، ليعلم فيما بعد أن ذاك أبو زاهر الذي شهد مقتل ابنه زاهر أمام عينه تحت التعذيب، ومات في النهاية وهو يحاول الابتسام دون كلام لكل من حوله، ليأتي صوت المساعد قائلاً “زتوه لبرى شكلو فطس”، فيصيح أحمد أحد المعتقلين بصوت عال “يا كلااااب شو عملتو بالختيار؟” فما كان منهم إلا أن انهالو عليه بالضرب حتى قالوا أنه “فطس”.

يقول سامي “ظننت أن أحمد قد توفي بعد أن رموه خارجاً، وشاءت الأقدار أن يكتب له عمر جديد، ولكنه توفي فيما بعد متأثر بآثار التعذيب”.

 فقدان الذاكرة
بعد ذلك بدأ سامي بفقدان ذاكراته، فيقول “لم أعد اتذكر ما اسمي أو أين أنا، فقدت الأحساس بالزمن لست أنا فقط من فقد ذاكرته، فكل من يدخل الى الفرع يفقد ذاكرته بعد ذلك لمدة يوم وبأقصى حد أسبوع، إلا أنني بقيت فاقداً للذاكرة حتى بعد خروجي بشهرين من المعتقل، فكانوا يضربونني ولكني لا أحس بأي ألم، لأني فقدت حاسة الشعور بالأشياء، بدأ شعري يتساقط والحبوب تملأ جسدي وأثار الصعقات الكهربائية في كل مكان، كنت دائماً أجيب المحقق أنني لست مخرباً ولم أقتل ولم أفجر، كما اتهمني باغتيال عدد من الضباط واتهمني بزرع (الطائفية) وتخريب ممتلكات الدولة، كل ما كان يدور في رأسي حينها هو السيجارة وعلم الثورة، وكان يقابلني بالدعس على بطني وشتمي”.

ويتابع “بقيت على هذه الحالة مدة أربعة فاقداً للذاكرة وأعاني من الأمراض الجلدية وسقوط لكامل الشعر في جسدي وتورم في القدمين وارتخاء في المفاصل، وفي آخر تحقيق معي تم تصويري مع رقم وغبت عن الوعي، ووجدت نفسي في حي دمر الدمشقي وحولي بعض من أفراد عائلتي، ومن الأصدقاء حينها تبين لي أنه أطلق سراحي”، وعندما عاد إلى منزله في دير الزور وجاء أقاربه للاطمئنان عليه، دخلوا غرفته الصغيرة، فسارع والده إلى القول “تعالوا إلى المضافة فالمكان ضيق هنا، ليجيب سامي بعفوية “بالعكس، المكان يتسع للجميع”.

استقرت حالة سامي بعد الخضوع لبرنامج علاجي في لبنان وتركيا، واستعاد ذاكرته بالتدريج، وبعدها انتقل إلى منطقته المحررة شرق دير الزور، بدأ بالعمل في مجال تنمية المجتمع المدني مع منظمات محلية ودولية، كانت تهتم بالتعليم والمدارس ورعاية النازحين، بالإضافة الى العمل الإعلامي مع مجموعة من الناشطين في كافة أرجاء سورية من خلال التصوير والتقارير الإعلامية، ونشاطات أخرى كحملات نظافة وإزالة مخلفات الحرب.
تعرض سامي للمضايقات من قبل جبهة النصرة التي كانت تسيطر على منطقته في دير الزور، كما تم اعتقاله لعدة ساعات في الهيئة الشرعية ليطلق سراحه بعد التحقيق معه.

ولكن بعد أن شنت “الدولة الإسلامية” الهجوم الثاني على ريف دير الزور في حزيران 2014 وسيطرت على كامل محافظة دير الزور، شعر بالخطر الحقيقي وخاصة بعد مداهمة منزل ذويه لأكثر من مرة، فلم يكن من خيار لديه إلا مغادرة المنطقة، ليستقر في اسطنبول، بعد أن افتتح بمعونة بعض الأصدقاء محلاً صغيراً لبيع البضائع السورية.

تشرفنا بزيارتكم ونتمنى دائما أن ننول رضاكم.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s